الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

269

نفحات القرآن

تقول : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ » ، فهو الخالق وهو المربّي ولذا فهو المالك والحاكم ، ثمّ تجعل الآية هذه القضيّة مقدّمة لإثبات توحيد العبادة وتضيف : « لَاإلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ » . فيا أيّها الغافلون الجاهلون وياأيّها التائهون في وادي الضلالة ! كيف تحيدون مع وجود هذه الدلائل الواضحة عن الاعتراف بخالقية اللَّه وربوبيته ومالكيته ؟ ! هذا الجزء من الآية يثبت في الحقيقة ( توحيد العبادة ) استناداً إلى ( توحيد الحاكمية ) للَّه‌تعالى وحاكميته بالاستناد إلى مسألة الخلق التي يذعن حتّى المشركون بأنّها مختصّة باللَّه عزّوجلّ . الآية الرابعة تنظر إلى قصّة طالوت وجالوت ، فقد كان جالوت جبّاراً ومجرماً وحاكماً على بني إسرائيل وقد آذاهم كثيراً . وقد قام النبي ( اشموئيل ) « 1 » بطلب من بني إسرائيل بتنصيب ( طالوت ) الذي كان من القرويين الفقراء قائداً للجيش وحاكماً على بني إسرائيل ! أمّا الملأ من بني إسرائيل فقد احتجّوا على هذا الانتخاب واعتبروا أنفسهم أرجح منه ، وذلك لما لهم من ثروة وفخامة ! إلّاأنّ نبيّهم قال لهم بصراحة : « إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً » وأضاف : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » . ( البقرة / 247 ) وعليه فانّه لا يكون حاكماً تكوينياً على عالم الوجود فحسب ، بل إنّ الحاكمية القانونية والتشريعية على المجتمع البشري هي لذاته المقدّسة ويمنحها لمن يشاء وإن كانت إرادته ومشيئته قائمة على أساس الأهلية واللياقة .

--> ( 1 ) احتمل بعض المفسّرين أنّه النبي شمعون أو يوشع ولكنّهما يبدوان بعيدين ، أمّا بالنسبة ليوشع الذي كان وصيّاًلموسى عليه السلام فهو غير ممكن تقريباً .